محمد بن جرير الطبري

210

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

شُمْطٍ . . . فلم يَزَلْ صَوْبِي بها ومَعْطِي . . . حَتى علا الرأسَ دَمٌ يُغَطِّي ( 1 ) فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في " أبي جاد " ، فأقام قوله : " لما رأيت أمرها في حُطِّي " مقامَ خبرِه عنها أنها في " أبي جاد " ، إذْ كان ذاك من قوله ، يدلّ سامعَه على ما يدلُّه عليه قوله : لما رأيت أمرَها في " أبي جاد " . وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السُّور ليفتح لاستماعه أسماعَ المشركين - إذ تواصَوْا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له ، تُلي عليهم المؤلَّفُ منه . وقال بعضهم : الحروفُ التي هي فواتح السُّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه . فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟ قيل ( 2 ) : معنى هذا أنه افتتح بها ليُعْلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ، وأنه قد أخذ في أخرى ، فجعل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينهما ، وذلك في كلام العرب ، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول : بل * وبلدةٍ مَا الإنسُ من آهَالِها ( 3 ) ويقول : لا بَل * مَا هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا ( 4 ) و " بل " ليست من البيت ولا تعد في وزنه ، ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنفُ الآخر .

--> ( 1 ) أولها في اللسان ( فنك ) . فنك في الكذب : مضى فيه ولج ومحك . ولط الحق : جحده ومنعه وخاصم فأحمى الخصومة . والقرون ، جمع قرن : وهو الضفيرة . وشمط ، جمع أشمط : وهو الذي اشتعل رأسه شيبا . صاب يصوب صوبًا : انحدر من علو إلى سفل . وفي المطبوعة : " ضربي " . والمعط : المد والجذب ، وعنى بذلك إصعاده بها وهو يجذب ضفائرها ، وذلك في انحداره بها وصعوده . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟ فإن معنى هذا . . . " ، وهو كلام مضطرب ، والصواب ما أثبتناه . ( 3 ) اللسان ( أهل ) غير منسوب ، وكأنه لأبي النجم فيما أذكر . ( 4 ) هو للعجاج ، ديوانه : 7 ، ويأتي بعد قليل في : 212 أيضًا و : 223 .